عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

8

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار

في سنّ مبكرة وعلى صورة ناصعة لا تتيسر للكثيرين ممّن تشوب حياتهم الأولى شوائب الغرائز والنّزوات . فلم يكد يختم الحلقة الثانية من عمره حتى كان قد انغمس في أنوار الكشف والإلهام ، ولم يشارف العشرين حتى أعلن أنه جعل يسير في الطريق الروحاني بخطوات واسعة ثابتة ، وأنه بدأ يطلع على أسرار الحياة الصوفية ، وأن عددا من الخفايا الكونية قد تكشّف أمامه ، وأن حياته منذ ذلك العهد المبكر لم تعد سوى سلسلة من البحث المتواصل عما يحقّق الكمال لتلك الاستعدادات الفطرية التي تنير أضواؤها جوانب عقله وقلبه . ولم يزل عاكفا على ذلك النشاط الروحاني حتى ظفر بأكبر قدر ممكن من الأسرار . ولم تكن آماله في التغلغل إلى تلك الأسرار وبحوثه عن وسائلها الضرورية تقف عند حد ، لأنه أيقن منذ نعومة أظفاره بأنه مؤمن بمبادىء عقيدة حقيقية أزلية مرت بجميع الأزمان الكونية ، وطافت بكل الأجناس البشرية متمّمة ما فيها من نقص وقصور ، وأنها جمعت كل الروحانيات في الوحدة الفطرية التي تتمثّل من حين إلى آخر في صور تنسّكية رفيعة تبدو على مسرح الإنسانية ردحا من الزمن ثم تختفي ، ولا يدرك حقيقتها إلا القليلون . وأكثر من ذلك أنه حين كان لا يزال في قرطبة قد تكشّف له من أقطاب العصور البائدة عدد من حكماء فارس والإغريق كفيثاغورس ، وأمبيذوقليس ، وأفلاطون ومن إليهم ممّن ألقيت على كواهلهم مسؤولية القطبية الروحية في عصورهم المتعاقبة قبل ظهور الإسلام . وهذا هو السبب في أنه قد شغف بأن يطّلع على جميع الدرجات التنسّكية في كل الأديان والمذاهب عن طريق أرواح رجالها الحقيقيين بهيئة مباشرة ، وبصورة مؤسسة على الشرف العلمي الذي يحمل الباحث النزيه على الاعتماد عليه دون أدنى تردد أو ارتياب . غير أن هذه السكينة الروحانية التي بدأت لدى هذا الشاب مبكرة والتي كانت ثمارها فيما بعد تتمثّل في تلك المعرفة التي أشرنا إليها آنفا ، لم تدم طويلا على حالة واحدة ، إذ أنه لم يلبث أن تبين أول الأمر بالإلهام ، ثم عن طريق الكشف الجلي أنه لم يعد له بدّ - في تلك البيئة المغربية إذ ذاك - من أحد أمرين : إما أن يجاري التيار العام الذي كان يحدق به إحداق السّوار بالمعصم ، وهو أن يتقيد في جميع أفكاره وتعقلاته وأحاسيسه ومشاعره وحركاته وسكناته بحرفية الدين التي لا روح فيها ولا حياة ولا سرّ ولا رمز ولا تأويل ، وبهذا تختفي شخصيته الحقيقية وتفشل رسالته الطبيعية ، وهذا شيء لا يستطيعه بأي حال ، وإما أن يسير على فطرته وحسب تكوين عقله وقلبه فيصطدم في كل خطوة من خطواته من أهل الحلّ والعقد في البلاد . وقد